ساحة الحسيني ..فوضى ثقافات عمّان..!
بقلم : محمد حسن العمري
(دللت !) نفسي هذا الرمضان بافطارات ملئية بالحنين في وسط عمّان مع نخبة من الاصدقاء القدامى الذين( تبرجزوا ) في السنوات الاخيرة وصاروا الى مصاف (رجال الاعمال!) ، فساقهم واياي الحنين الى افطارات رمضانية في مطاعم وسط البلد من ( مشاوي ابو حاتم) الى هاشم العتيد الى ( البابا ) بعد افطارات مخيبة للامال في المطاعم السياحية بطريق المطار ، التي كانت اقرب الى تشخيصنا الثقافي السائد :( فكرت الباشا باشا ..طلع الباشا زلمة!)..!
***
قبل الافطار بربع ساعة ، تكون ساحة المسجد الحيسني ممتلئة بالمنتظرين الذين يتجولون هنا وهناك ، قلة فقط منهم يخلد للراحة والتسبيح في اروقة المسجد ، والبقية واقفة او تتحرك ، لمّا تمر على المحلات التجارية الممتدة من ساحة المسجد بالاتجاهات الثلاث للشوارع المتاخمة للمسجد ، تجد الكل في حالة استعداد قصوى للافطار ، بعض ارباب المحلات تشاهد امامهم صينية طعام جاهزة ، غالبا طبق طبيخ تقليدي فاصوليا او باميه باللحمه وبضع تمرات وماء ، وبعضهم يقراؤن القران الكريم الى حين تمر الربع ساعة الاخيرة من عمر نهاراليوم الرمضاني ، ومعضمها وجبات من المطاعم المجارورة للمحلات ،فقط شاهدت صاحب محل صرافة ولا يبدو انه مجرد موظف امامه وليمة عملاقة على درج المصرف واضح انها اعداد منزلي وليست من المطاعم ، في داخل المسجد تختلط ثقافت الناس ومستوياتهم ، تجد مثلا عمالا مترزقين بسطاء او حماليين او اصحاب بسطات ، بعضهم يفطر على تمرات وبعضهم كما شاهدت يفطر على سندوتش فلافل ، وبعضهم على وجبة طبيخ كذلك متوسطة المستوى ، وتجد ما هو اكبر من ذلك بكثير تجد شخصيات وارباب عمل من الطبقة المادية الاعلى ، هؤلاء معظمهم اصحاب محال تجارية بوسط البلد وغالبا يسكنون غرب عمان ، ويفطرون في وسط البلد لاستغلال فترة الذروة في التجارة التي تلي صلاة العشاء مباشرة وتسبق صلاة التراويح ، تجد ايضا سياحا غير مسلمين اغلبهم لا يدخلون المسجد ، يقفون في الساحة الخارجية ، ولكن واضح ان عددهم قليل جدا شاهدتم في كل المرات ولكن باعداد قليلة ، لا اعرف هل هي مرتبطة بالموسم السياحي الهابط او برمضان الذي لا يعتبر موسما سياحيا باي بلد عربي ، تشاهد حلقات جماعية كذلك لشباب يفطرون سويا ، لا تعرف هل هم موظفو محلات مثلا او جاؤوا مثلنا يجرهم الحنين ، في غالب الامر اصحاب المحلات وليس موظفيها ، يعني ابناء ( الغرب العمّاني !) لا يفطرون فطورا كاملا داخل المسجد ، بل على التمر والماء ليس غير ، وغالبا يؤخرون فطورهم الى بيوتهم اذ تنتهي ساعات العمل في وسط عمان ..
ساعات العمل في وسط عمان في رمضان تختلف عن غيرها من شهور السنة ، فصديقنا خلدون الجلخ ( اللدواي ) العتيد صاحب محل ملابس اطفال في احدى اسواق وسط البلد من ثلاثين سنة والذي اتحفنا بفطور مشاوى ، كدت ان افطر من توابعه في اليوم التالي بسبب العطش الشديد الذي تفرضه المشاوي على المعدة ، يقول خلدون انه يبدا العمل بحدود التاسعة صباحا ، ثم يستمر الى ما ما قبل الافطار بنصف ساعة ، يغادر الى خلدا ، ثم يعود بعد الافطار بنصف ساعة بالضبط ، وهذا ما شاهدته اذ افطرنا هناك وصلينا بالحسيني ، وجلسنا في احدى محلات صديقنا وابناء عمومته الذين يمتلكون خمسة محلات البسة هناك ، فبعد نصف ساعة كان معظم اصحاب المحلات قد حضروا وباشروا بفتح محالهم التجارية ، العدد الاكبر هذه الايام من اصحاب المحلات او العاملين فيها صاروا من الشباب وليس العواجيز كما كنت الاحظ سابقا ، ولاحظت اكثر ان وسط البلد يشهد ايضا حراكا تجاريا يختلف عن الكساد الذي مرّ به قبل سنوات بعد ان فتحت المولات التجارية وحاصرت عمان غربها وشرقها ، هناك حراكا واضحا في وسط عمان يختلف عنه فعلا سابقا ، وهو ليس مجرد تسجيل انطباع ، فمنذ سنوات باع اصدقاؤنا من عائلة الزميلي اعرق محل لبيع اقمشة الستائر وسط عمان بسبب الركود واستبدلوه بمحل سوبرماركت قريبا من المستشفى الاسلامي ، والذي يبدو اليوم ان وسط البلد قد عادت وهي ترد اعتبارها امام تنافس غير عادل مع المولات و الماركات – البراندز – حيث بدأ الناس يضجرون من جشعها واستحواذها على الاخضر واليابس ..
***
ما زال الشيخ اسماعيل امام المسجد الحسيني الذي يبلغ عقده ربما الثامن ، يؤم الناس في صلاة التروايح بصوته المتهدج الجميل ، هو الاخر تفوق على ائمة مساجد غرب عمان المزدحمة بائمة باصوات هربت منها من مسجد لاخر ، في كل يوم اصلي بمسجد منها ، بدأتها حيث نصحونا بمسجدي الروضة والكالوتي وغيرها ، لكني مازلت افر من قضاء الله الى قضائه ، ولا اجد افضل من صوت الشيخ اسماعيل اذ يؤمنا في المسجد الحسيني ، يقول اصحاب المحلات التجارية ان الشيخ اسماعيل العائد باصوله الى قرى فلسطين وربما من اصول مغربية قبل ذلك ، لم يخطئ في قراءة القرأن الكريم طوال عقوده المديده التي امّ الناس فيها بالمسجد الحسيني ، و صوته يزداد جمالا فوق ما كان عليه..!
***
الرجل الاعمى القصير نسبيا والذي يمرّ دائما من شوارع وسط البلد الرئيسة ولا يبعد كثيرا عن كشك بيع الكتب العتيد ، ويحمل باكيت علكه غالبا يكون فارغا ، ( تالله مازال ) في ( ضلاله القديم..)..
غريب امر هذا الرجل الاسطورة الذي لا يكبر ابدا فقبل نحو عشرين سنة كان عمره في الاربعين واليوم مازال كذلك ، لا اعرف ما هي الاسطورة التي ستتبين بعد عمر طويل عن هذا الرجل ، بالضرورة لن تكون على شاكلة شبيهه في ( باب الحارة ) بجزئه الثاني ؟، لاننا نعيش من زمــــــــــــــــــــــــــان في زمن اللاحرب ، ولن يكون على طريقة ( الرصد!) الذي يذبح للحفاظ على الكنوز العثمانية فعهد الاساطير ولى ، لن يكون اي من ذلك ، لكن وراء رجل لا يكبر ولا يغير كل هذا الزمن ، وراء ( الاكمة ما وراءها..!)..!
***
في وسط البلد اليوم مقهى للانترنت ، ومحلات للموبايلات لا بد انها حلت مكان محال تقليدية سابقة ، وثمة ورشة عمل قد بدأت لاعادة الحياة للشارع الذي اكلته نيران الحظ الغابر ، العيادات القديمة لم يزل بعضها ، الدكتور جبر والدكتورين امسيح ، لم اشاهد عيادة الدكتور علي الحوامدة العتيدة ، ربما غابت او تاهت عن ناظري ، بالمناسبة كانت كشفية الدكتور الحوامده نصف دينار ، محلات التصفية للملابس غطت مكان معظم محال البالة القديمة ، وسوق اليمنيين للخياطين على حاله ، لكن اجرة قص البنطلون ارتفعت في ربع قرن من نصف دينار الى 75 قرش ، وهي في اعتقادي اقل نسبة تضخم اصابت الاردن خلال قريا من ربع قرن مضى منذ تهاوت حكومة الرفاعي عام 1988 الى اليوم ، الحلاقيين في وسط عمان تضاعفت اجرتهم كذلك ، بعضهم صارت الى ديناريين وبعضهم اقل ، اجرة استخدام الحمامات العامة صارت الى عشرة قروش ، وقد بدأت قبل عشرين سنة بعد الغاء المجان ، كانت بخمسة قروش فقط ، مطعم هاشم ادخل خدمة البطاطا المقلية منذ عدة سنوات واستحوذ على محل الفلافل المجاور له ، فصار حساب الفلافل مع حساب الطاولة بعد ان كانا منفصلين ، بائع شاي اظنه عراقيا يبيع الشاي بالميرمية ، يقف في ساحة المسجد لكن من عنده سكري او لا يقدر على السكر لا انصحه به لان شايه مشبع بالسكر كما الميرمية والشاي ، على الطريقة العراقية – وهذا موعد الشاي العراقي المعتق كالسلافة- ، تفتقد في ساحة المسجد من كان يبيع العملة المعدنية لدول عديدة وكانوا ينثرونها وسط ساحة المسجد ، كنت اتمنى ان اشتري بعضها ، لم اجد اي منهم موجودا اليوم ، اجرة موقف الشابسوغ 60 قرشا للساعة ، اعتقد انها ايضا لم ترتفع كثيرا عن اخر عهدي بها ، كنافة حبيبة ( فرع عالواقف) ، نموذج اخر على ان وسط البلد لا تموت ، عكس كشك الكتب المجاور لمدخلها فهو شاهد على ان تجارة الكتب تموت في كل مكان وتقتصر اليوم على اصحاب الحنين للكتاب المطبوع لدى فئة محدودة باقية لا تموت ، اشياء تموت ، واخرى تحيا ، لكن وسط عمان حاضنتها جميعا باقٍِ كما مدرج عمان لا يموت..!